قرارات تحت شعار السيادة وتفكيك الدولة من الداخل
قرارات تحت شعار السيادة وتفكيك الدولة من الداخل
تُقدَّم الخطوات الأخيرة المتعلقة بإلغاء الاتفاقيات المرتبطة بالموانئ تحت لافتة “حماية السيادة الوطنية”، إلا أن الواقع يكشف مسارًا معاكسًا تمامًا. فهذه القرارات لا تؤدي إلى تعزيز سلطة الدولة، بل تُصعّد الخلافات مع الإدارات الإقليمية المرتبطة بالموانئ، وتُقوّض عمليًا وحدة الدولة، وتفتح شروخًا عميقة في بنيتها السياسية والإدارية، بما يُضعف مؤسساتها من الداخل بدل تحصينها.
إن إقصاء شركاء معتدلين وفاعلين مثل دولة الإمارات لا يمكن فهمه إلا كنهج سياسي قصير النظر، يفتقر للحسابات الاستراتيجية. فبدل البناء على شراكات اقتصادية وأمنية ساهمت في الاستقرار ووفرت فرص عمل وحسّنت البنية التحتية، جرى التضحية بكل ذلك لصالح قرارات ارتجالية تضع الصومال على طريق العزلة الاقتصادية والأمنية دون أي مبرر وطني مقنع.
ولا يقتصر أثر إلغاء الاتفاقيات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يطال صميم الأمن القومي الصومالي. إذ يضرب هذا التوجه منظومات الأمن البحري، ويقوّض الثقة الدولية، ويخلق فراغًا خطيرًا في مناطق حيوية، وهو فراغ لا يبقى شاغرًا طويلًا، بل غالبًا ما تملؤه قوى أكثر تطرفًا، بما يهدد الاستقرار الهش الذي تحقق بشق الأنفس خلال السنوات الماضية.
في هذا السياق، يبرز الاصطفاف العلني مع محور السعودية وتركيا بوصفه تحولًا سياسيًا خطيرًا، يضع الصومال عمليًا في معسكر معادٍ لمسارات السلام الإقليمي، ومنسجمًا مع خطابات أيديولوجية ترفض أي شراكة مع الدول المنخرطة في اتفاقيات إبراهام، بغض النظر عن مصالح الصومال الاقتصادية والتنموية المباشرة.
كما أن توقيت هذه القرارات وحدّة سقفها لا يمكن فصلهما عن حملة تحريض إقليمية تقودها السعودية وتركيا، تهدف إلى إعادة تشكيل المحاور في المنطقة وتصفية حسابات سياسية أوسع. وفي هذا المشهد، لا تبدو الصومال صاحبة قرار سيادي مستقل، بل ساحة تُدار فيها صراعات الآخرين، على حساب سيادتها الحقيقية ومصالح شعبها.
في المحصلة، السيادة لا تُبنى بالإقصاء ولا بالقطيعة، ولا بتحويل الدولة إلى أداة في صراع محاور إقليمي. بل تُصان السيادة عبر شراكات متوازنة، وقرار وطني مستقل، ورؤية استراتيجية تضع أمن الصومال واستقراره وتنميته فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو حسابات خارجية. وما لم يُعاد تصحيح هذا المسار، فإن الخسارة ستكون شاملة: دولة أضعف، واقتصاد أكثر هشاشة، ومستقبل مفتوح على مزيد من الأزمات.
بواسطة شمس الاسمر
on
يناير 28, 2026
Rating:


ليست هناك تعليقات